educ21 نـور الصباح
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى يشـرفنــــا تسجيــــلك و إن كنت عضوا معنا فقم بإدخال بيناتك.****شكرا****. تدكر قوله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18.


عـــــــــــــــــلِـــــــم و تعــــــــــــــــــلـــــــــم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عداب القبر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mohamad 2010

avatar

ذكر عدد المساهمات : 557
تاريخ التسجيل : 20/08/2010
العمر : 23

مُساهمةموضوع: عداب القبر   السبت ديسمبر 18, 2010 3:46 am

سُئِلَ
شَيْخ الإسْلام ـ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَه ـ وهو بمصر عن ‏[‏عذاب
القبر‏]‏‏:‏ هل هو على النَّفْس والبَدن أو على
النفس دون البدن‏؟‏ والميت يعذب في قبره حيًا أم ميتًا‏؟‏ وإن عادت الروح
إلى الجسد أم لم تَعُدْ‏,‏ فهل يتشاركان في العذاب والنعيم‏؟‏ أو يكون ذلك
على أحدهما دون الآخر‏؟‏

فأَجَابَ ـ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ‏,‏ وجعل جنة
الفردوس منقلبه ومثواه آمين‏:‏

الحمد للّه رب العالمين‏.‏ بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا
باتفاق أهل السنة والجماعة‏,‏ تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن‏,‏ وتعذب
متصلة بالبدن والبدن متصل بها‏,‏ فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه
الحال مجتمعتين‏,‏ كما يكون للروح منفردة عن البدن‏.‏

وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح‏؟‏

هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة والكلام‏,‏ وفي المسألة أقوال
شاذة ليست من أقوال أهل السنة والحديث‏,‏ قول من يقول‏:‏ إن النعيم
والعذاب لا يكون إلا على الروح؛ وأن البدن لا ينعم ولا يعذب‏.‏ وهذا تقوله
الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان‏,‏ وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين‏.‏
ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم‏,‏ الذين يقولون‏:‏ لا يكون
ذلك في البرزخ‏,‏ وإنما يكون عند القيام من القبور‏.‏
وقول من يقول‏:‏ إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب‏,‏ وإنما الروح هي
الحياة‏,‏ وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام‏,‏ من المعتزلة‏,‏ وأصحاب أبي
الحسن الأشعري‏,‏ كالقاضي أبي بكر‏,‏ وغيرهم‏,‏ وينكرون أن الروح تبقى بعد
فراق البدن‏,‏ وهذا قول باطل‏,‏ خالفه الأستاذ أبو المعالي الجُوَيْني
وغيره‏,‏ بل قد ثبت في الكتاب والسنة‏,‏ واتفاق سلف الأمة‏,‏ أن الروح
تبقى بعد فراق البدن‏,‏ وأنها منعمة أو معذبة‏.‏
من يعتقد أنه متمسك بدين الإسلام‏,‏ بل من يظن أنه من أهل المعرفة
والتصوف‏,‏ والتحقيق والكلام‏.‏

والقول الثالث الشاذ‏:‏ قول من يقول‏:‏ إن البرزخ
ليس فيه نعيم ولا عذاب‏,‏ بل لا يكون ذلك حتى تقوم القيامة الكبرى‏,‏ كما
يقول ذلك من يقوله من المعتزلة‏,‏ ونحوهم‏,‏ الذين ينكرون عذاب القبر
ونعيمه‏,‏ بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن‏,‏ وأن البدن لا ينعم
ولا يعذب‏.‏
فجميع هؤلاء الطائفتين ضلال في أمر البرزخ‏,‏ لكنهم خير من الفلاسفة؛
لأنهم يقرون بالقيامة الكبرى‏.‏
فإذا عرفت هذه الأقوال الثلاثة الباطلة‏,‏ فاعلم أن مذهب سلف الأمة
وأئمتها‏:‏
أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب‏,‏ وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه‏,‏
وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة‏,‏ وأنها تتصل بالبدن
أحيانًا‏,‏ فيحصل له معها النعيم والعذاب‏.‏
ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى أجسادها‏,‏ وقاموا من
قبورهم لرب العالمين‏.‏
ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين‏,‏ واليهود‏,‏ والنصارى‏.‏ وهذا كله
متفق عليه عند علماء الحديث والسنة‏.‏
وهل يكون للبدن دون الروح نعيم أو عذاب‏؟‏ أثبت ذلك طائفة منهم‏,‏ وأنكره
أكثرهم‏.‏
ونحن نذكر ما يبين ما ذكرناه‏.‏ فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر
ونكير‏:‏ فكثيرة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏,‏ مثل ما في
الصحيحين‏:‏ عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم
مرَّ بقبرين فقال‏:‏ ‏(‏إنهما ليُعَذَّبان وما
يُعَذَّبان في كبير‏,‏ أما أحدهما فكان يمشى بالنَّمِيمة‏,‏ وأما الآخر
فكان لا يَسْتَتِر من بَوْله
‏)‏‏,‏ ثم دعا بجريدة رطبة فشقها
نصفين‏,‏ ثم غرز في كل قبر واحدة‏.‏ فقالوا‏:‏ يا رسول اللّه‏,‏ لم فعلتَ
هذا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لعله يُخفَّف عنهما ما لم يَيبَْسَا‏)‏‏.‏

وفي صحيح مسلم عن زيد بن ثابت قال‏:‏ بينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
في حائط لبني النجار على بغلة ـ ونحن معه ـ إذ جالت به‏,‏ فكادت تلقيه‏,‏
فإذا أقبر ستة أو خمسة‏,‏ أو أربعة‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏من
يعرف هذه القبور‏؟‏‏
)‏ فقال رجل‏:‏ أنا‏.‏ قال‏: ‏‏(‏فمتى هؤلاء‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ ماتوا في الإشراك‏.‏
فقال‏:‏ ‏(‏إن هذه الأمة تبتلى في قبورها؛ فلولا ألا
تدافنوا لدعوت اللّه أن يُسِمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه
‏)‏‏,‏
ثم أقبل علينا بوجهه فقال‏:‏ ‏(‏تَعوَّذوا باللّه من
عذاب القبر‏
)‏‏.‏ قالوا‏:‏ نعوذ باللّه من عذاب القبر‏.‏ قال‏:‏
‏(‏تعوذوا باللّه من عذاب النار‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏
نعوذ باللّه من عذاب النار‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏تعوذوا
باللّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن‏
)‏‏.‏ قالوا‏:‏ نعوذ باللّه
من الفتن ما ظهر منها وما بطن‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏تعوذوا
باللّه من فتنة الدجال‏
)‏‏.‏ قالوا‏:‏ نعوذ باللّه من فتنة
الدجال‏.‏
وفي صحيح مسلم وسائر السنن عن أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا فرغ أحدكم من التشهد
الأخير فليقل‏:‏ أعوذ باللّه من أربع‏:‏ من عذاب جهنم‏,‏ ومن عذاب
القبر‏,‏ ومن فتنة المحيا والممات‏,‏ ومن فتنة المسيح الدجال
‏)‏‏.‏

وفي صحيح مسلم وغيره عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن‏:‏ ‏(‏اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم‏,‏ وأعوذ بك من عذاب
القبر‏,‏ وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال‏,‏ وأعوذ بك من فتنة المحيا
والممات‏
)‏‏.‏
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري قال‏:‏ خرج النبي صلى الله
عليه وسلم وقد وجَبَتِ الشمس‏,‏ فقال‏:‏ ‏(‏يهود
يعذبون في قبورهم‏
)‏‏ [‏وجَبَت الشمس،أي غابت‏] ‏‏.‏
وفي الصحيحين عن عائشة ـ رضي اللّه عنها ـ قالت‏:‏ دخلت علىّ عجوز من عجائز
يهود المدينة‏,‏ فقالت‏:‏ إن أهل القبور يعذبون في قبورهم‏.‏ قالت‏:‏
فكذبتها ولم أنْعَمْ أن أصدقها‏,‏ قالت‏:‏ فخرجت فدخل عليَّ رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم‏,‏ فقلت‏:‏ يا رسول اللّه‏,‏ عجوز من عجائز أهل
المدينة دخلت علىّ، فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم‏.‏فقال‏:‏ ‏(‏صَدَقَتْ‏,‏ إنهم يعذبون عذابًا يسمعه البهائم كلها‏)‏‏,‏
فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر‏.‏
وفي صحيح أبي حاتم البستي عن أم مُبَشِّر ـ رضي اللّه عنها ـ قالت‏:‏ دخل
عليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأنا في حائط وهو يقول‏: ‏‏(‏تعوذوا باللّه من عذابالقبر‏)‏‏.‏فقلت‏:‏ يا رسول
اللّه‏,‏ للقبر عذاب‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إنهم ليعذبون في
قبورهم عذابًا تسمعه البهائم‏
)‏‏.‏
قال بعضهم‏:‏ ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت‏ [‏أي‏:‏ أصابها
وجع في بطنها بسبب أكلها التراب مع البَقْل]‏ إلى قبور اليهود‏,‏ والنصارى
والمنافقين‏,‏ كالإسماعيلية والنصيرية‏,‏ وسائر القرامطة‏:‏ من بني عبيد
وغيرهم‏,‏ الذين بأرض مصر والشام وغيرهما؛ فإن أهل الخيل يقصدون قبورهم
لذلك‏,‏ كما يقصدون قبور اليهود والنصارى‏,‏ والجهال تظن أنهم من ذرية
فاطمة‏,‏ وأنهم من أولياء اللّه‏,‏ وإنما هو من هذا القبيل‏.‏ فقد قيل‏:‏
إن الخيل إذا سمعت عذاب القبر حصلت لها من الحرارة ما يذهب بالمغل‏.‏
والحديث في هذا كثير لا يتسع له هذا السؤال‏.‏
وأحاديث المسألة كثيرة أيضًا‏,‏ كما في الصحيحين والسنن عن البراء بن عازب
ـ رضي اللّه عنه ـ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏المسلم إذا سئل في قبره شهد أن لا إله إلا اللّه‏,‏ وأن
محمدًا رسول اللّه ؛ فذلك قول اللّه
تعالى‏:‏ ‏{‏يُثَبِّتُ
اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ‏
}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏27‏]‏‏.‏ وفي لفظ‏:‏
‏(‏نزلت في عذاب القبر يقال له‏:‏ من ربك‏؟‏ فيقول‏:‏
ربي اللّه‏,‏ وديني الإسلام‏,‏ ونبيي محمد‏,‏ وذلك قول اللّه تعالى‏
:‏
‏{‏يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ
الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ
الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ
}‏‏[‏إبراهيم‏:‏27‏]‏‏.‏


وهذا الحديث قد رواه أهل السنن والمسانيد مطولًا‏,‏ كما في سنن أبي داود
وغيره عن البراء بن عازب ـ رضي اللّه عنه ـ قال‏:‏ خرجنا مع رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار‏,‏ فانتهينا إلى القبر ولما
يلحد‏,‏ فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله‏,‏ كأنما على رؤوسنا
الطير‏,‏ وفي يده عود ينكت به الأرض‏,‏ فرفع رأسه فقال‏:‏ ‏(‏استعيذوا باللّه من عذاب القبر‏)‏ مرتين أو ثلاثا‏,‏
وذكر صفة قبض الروح وعروجها إلى السماء‏,‏ ثم عودها إليه‏.‏ إلى أن قال‏:
‏‏(‏وإنه ليسمع خَفْقَ نعالهم إذا وَلُّوا مدبرين حين
يقال له‏:‏ يا هذا‏,‏ من ربك‏؟‏ وما دينك‏؟‏ ومن نبيك‏؟
‏‏)‏‏ .‏
وفي لفظ‏:‏ ‏(‏فيأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له‏:‏من
ربك‏؟‏ فيقول‏:‏ ربي اللّه‏.‏ فيقولان له‏:‏ ما دينك‏؟‏ فيقول‏:‏ ديني
الإسلام‏.‏ فيقولان‏:‏ ما هذا الرجل الذي أرسل فيكم‏؟
‏‏)‏ قال‏:‏
‏(‏فيقول‏:‏ هو رسول اللّه‏.‏ فيقولان‏:‏ وما يدريك‏؟‏
فيقول‏:‏ قرأت كتاب اللّه وآمنت به‏,‏ وصدقت به‏,‏ فذلك قول اللّه
‏:‏
‏{‏يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ
الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ
الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء
‏}‏
‏[‏إبراهيم‏:‏27‏]‏‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فينادي مناد من
السماء‏:‏ أن صدق عبدي‏,‏ فافرشوا له في الجنة‏,‏ وألبسوه من الجنة‏,‏
وافتحوا له بابًا إلى الجنة
‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فيأتيه
من روحها وطيبها‏
)‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ويفسح له مد
بصره
‏) ‏‏.‏ قال‏:‏‏(‏وإن الكافر‏)‏
فذكر موته‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏وتعاد روحه إلى جسده فيأتيه
ملكان فيجلسانه‏,‏ فيقولان له‏:‏ من ربك‏؟‏ فيقول هاه، هاه‏,‏ لا أدري‏,‏
فيقولان له‏:‏ ما دينك‏؟‏ فيقول‏:‏ هاه‏.‏ هاه‏.‏ لا أدري‏,‏ فينادي مناد
من السماء‏:‏ أن كذب عبدي‏,‏ فافرشوا له من النار‏,‏ وألبسوه من النار‏,‏
وافتحوا له بابًا إلى النار
‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏ويأتيه
من حَرّها وسُمومها‏
)‏‏.‏ قال‏: ‏‏(‏ويضيق
عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه‏
)‏‏ .‏ قال‏:‏ ‏(‏ثم يقيض له أعمى أبكم معه مِرْزَبَة من حديد‏,‏ لو ضرب بها
جبل لصار ترابًا
‏)‏‏ .‏ قال‏:‏ ‏(‏فيضربه بها
ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين‏,‏ فيصير ترابًا‏,‏ ثم
تعاد فيه الروح
‏)‏‏.‏
فقد صرح الحديث بإعادة الروح إلى الجسد‏,‏ وباختلاف
أضلاعه‏,‏ وهذا بين في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين‏.‏

وقد روى مثل حديث البراء في قبض الروح والمسألة‏,‏ والنعيم والعذاب‏,‏
رواه أبوهريرة‏,‏ وحديثه في المسند وغيره‏,‏ ورواه أبو حاتم ابن حِبَّان
في صحيحه عن أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال‏:‏ ‏(‏إن الميت إذا وضع في قبره يسمع خفق
نعالهم‏,‏ إذا ولوا عنه مدبرين‏,‏ فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه‏,‏
وكان الصيام عن يمينه‏,‏ وكانت الصدقة عن شماله‏,‏ وكان فعل الخير من
الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه‏,‏ فيأتيه الملكان من قبل
رأسه‏,‏ فتقول الصلاة‏:‏ ما قبلي مدخل‏,‏ ثم يؤتى عن يمينه‏,‏ ويقول
الصيام‏:‏ ما قِبَلي مدخل‏,‏ ثم يؤتى عن يساره‏,‏ فتقول الزكاة‏:‏ ما قبلي
مدخل‏,‏ ثم يؤتى من قبل رجليه‏,‏ فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة‏,‏
والمعروف والإحسان‏:‏ ما قبلي مدخل‏!‏‏!‏ فيقول له‏:‏ اجلس فيجلس قد
مَثُلَتْ له الشمس‏,‏ وقد أصغت للغروب‏.‏ فيقول‏:‏ دعوني حتى أصلي‏:‏
فيقولون‏:‏ إنك ستصلي‏,‏ أخبرنا عما نسألك عنه، أرأيتك هذا الرجل الذي كان
فيكم ما تقولون فيه ‏؟‏ وماذا تشهد به عليه‏؟‏ فيقول‏:‏ محمد‏,‏ نشهد
أنه رسول اللّه‏,‏ جاء بالحق من عند اللّه فيقال له‏:‏ على ذلك حييت‏,‏
وعلى ذلك تُبْعَث إن شاء اللّه‏,‏ ثم يفتح له باب إلى الجنة‏,‏ فيقال‏:‏
هذا مقعدك‏,‏ وما أعد اللّه لك فيها‏,‏ فيزداد غِبْطَةً وسرورًا‏,‏ ثم
يفسح له في قبره سبعون ذراعًا‏,‏ ويُنَوَّر له فيه‏,‏ ويعاد الجسد لما بدئ
منه‏,‏ وتجعل روحه نَسَم طير يعلق في شجر الجنة
‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُثَبِّتُ
اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ
اللّهُ مَا يَشَاء‏
}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏27‏]‏ ‏.‏
وذكر في الكافر ضد ذلك أنه قال‏:‏ ‏(‏يضيق عليه قبره
إلى أن تختلف فيه أضلاعه
‏)‏ فتلك المعيشة الضنك‏,‏ التي قال اللّه
تعالى‏:‏‏{‏لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمَى‏
}‏ ‏[‏طه‏:‏124‏]‏‏.‏ هذا الحديث أخصر‏.‏
وحديث البراء ـ المتقدم ـ أطول ما في السنن‏,‏ فإنهم اختصروه لذكر ما فيه
من عذاب القبر‏,‏ وهو في المسند وغيره بطوله‏.‏ وهو حديث حسان بن ثابت
يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه‏:‏ ‏(‏إن العبد
المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة‏,‏ وانقطاع من الدنيا‏,‏ نزلت إليه
ملائكة بيض الوجوه‏,‏ كأن وجوههم الشمس‏,‏ معهم كفن من أكفان الجنة‏,‏
وحَنُوط من حنوط الجنة‏,‏ فيجلسون منه مد البصر‏,‏ ثم يجىء ملك الموت حتى
يجلس عند رأسه‏,‏ فيقول‏:‏ أيتها النفس الطيبة‏,‏ اخرجي إلى مغفرة ورضوان
‏)‏
‏.‏قال‏:‏ ‏(‏فتخرج تسيل كما تسيل القَطْرَة من
فِىِّ السِّقاء‏,‏ فيأخذها‏,‏ فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى
يأخذوها‏.‏ فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط‏,‏ فيخرج منها كأطيب نفحة
مسك وجدت على وجه الأرض
‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فيصعدون
بها‏,‏ فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا‏:‏ ما هذه الروح
الطيبة‏؟‏‏!‏ فيقولون‏:‏ فلان بن فلان‏,‏ بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه
في الدنيا‏,‏ فينتهون به إلى السماء الدنيا‏,‏ فيستفتحون له فيفتح له
‏)‏‏.‏
قال‏:‏ ‏(‏فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي
تليها‏,‏ حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة‏.‏ فيقول‏:‏ اكتبوا كتاب
عبدي في عليين‏,‏ وأعيدوه إلى الأرض‏,‏ فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم
ومنها أخرجهم تارة أخرى‏
)‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فتعاد
روحه في جسده‏,‏ ويأتيه ملكان فيجلسانه‏
)‏‏.‏ وذكر المسألة كما
تقدم‏,‏ قال‏:‏ ‏(‏ويأتيه رجل حسن الوجه‏,‏ طيب
الريح‏,‏ فيقول له‏:‏ أبشر بالذي يسرك‏,‏ فهذا يومك الذي قد كنت توعد‏,‏
فيقول له‏:‏ من أنت‏؟‏ فوجهك الوجه الذي يجىء بالخير‏؟‏ ‏!‏ فيقول‏:‏ أنا
عملك الصالح‏.‏ فيقول‏:‏ رب‏,‏ أقم الساعة‏,‏ رب أقم الساعة‏,‏ رب أقم
الساعة‏,‏ حتى أرجع إلى أهلي ومالي
‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏وإن العبد الكافر إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من
الدنيا‏,‏ نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه‏,‏ معهم المسوح‏,‏
فيجلسون منه مد البصر‏,‏ ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه‏,‏ فيقول‏:‏
أيتها النفس الخبيثة‏,‏ اخرجي إلى سخط اللّه وغضبه‏,‏ فتفرق في أعضائه
كلها‏,‏ فينتزعها كما ينتزع السَّفُّود‏ [‏السَّفُّود ـ بالفتح والضم مع
التشديد‏:‏ حديدة ذات شعب معقفة‏,‏ يشوي بها اللحم‏] ‏من الصوف المبلول‏,‏
فتتقطع معها العروق والعصب
‏)‏‏.‏ قال‏: ‏‏(‏فيأخذها
فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها‏,‏ فيجعلوها في تلك
المسوح‏
)‏‏.‏ قال‏:‏‏ (‏فيخرج منها كأنتن ما
يكون من جيفة وجدت على وجه الأرض‏,‏ فيصعدون بها‏,‏ فلا يمرون بها على ملأ
من الملائكة إلا قالوا‏:‏ ما هذه الروح الخبيثة‏؟‏ فيقولون‏:‏ فلان بن
فلان‏,‏ بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا؛ حتى ينتهوا إلى السماء
الدنيا‏,‏ فيستفتحون لها فلا يفتح لها‏
)‏‏,‏ ثم قرأ رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ
أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ
فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ
‏}‏
‏[‏الأعراف‏:‏40‏]‏‏,‏ ثم يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏(‏اكتبوا
كتابه في سجين ـ في الأرض السفلى‏
)‏ قال‏:‏ ‏(‏فتطرح
روحه طرحًا‏
)‏‏.‏ ثم قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏‏}‏أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ‏}‏‏]‏الحج‏:‏31‏]‏‏.‏
قال‏:‏ ‏(‏فتعاد روحه في جسده‏,‏ فيأتيه ملكان
فيجلسانه‏,‏ فيقولان له‏:‏ من ربك‏؟‏ فيقول‏:‏ هاه‏,‏ هاه‏,‏ لا أدري‏
)‏‏.‏
وساق الحديث كما تقدم إلى أن قال‏:‏ ‏(‏ويأتيه رجل
قبيح الوجه مُنْتن الريح‏,‏ فيقول‏:‏ أبشر بالذي يسوؤك؛ هذا عملك الذي قد
كنت توعد ؛ فيقول‏:‏ من أنت فوجهك الوجه الذي لا يأتي بالخير‏؟‏ قال‏:‏
أنا عملك السوء‏.‏ فيقول‏:‏ رب‏,‏ لا تقم الساعة‏
)‏‏,‏ ثلاث
مرات‏.‏
ففي هذا الحديث أنواع من العلم‏:‏
منها‏:‏ أن الروح تبقى بعد مفارقة البدن‏,‏
خلافًا لضلال المتكلمين‏,‏ وأنها تصعد وتنزل خلافًا لضلال الفلاسفة‏,‏
وأنها تعاد إلى البدن‏,‏ وأن الميت يسأل‏,‏ فينعم أو يعذب‏,‏ كما سأل عنه
أهل السؤال‏,‏ وفيه أن عمله الصالح أو السيئ يأتيه في صورة حسنة أو
قبيحة‏.‏
وفي الصحيحين عن قتادة عن أنس بن مالك ـ رضي اللّه عنه ـ أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن العبد إذا وضع في قبره‏,‏
وتولى عنه أصحابه‏,‏ إنه ليسمع خَفْق نعالهم‏,‏ أتاه ملكان فيقررانه‏.‏
فيقولان‏:‏ ما كنت تقول في هذا الرجل محمد‏؟‏ فأما المؤمن فيقول‏:‏ أشهد
أنه محمد عبد اللّه ورسوله
‏)‏‏.‏ قال‏: ‏‏(‏فيقول‏:‏
انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك اللّه به مقعدًا من الجنة‏
)‏‏.‏
قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فيراهما
كليهما
‏)‏‏.‏ قال قتادة‏:‏ وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون
ذراعًا‏,‏ ويملأ عليه خضرًا إلى يوم يبعثون‏.‏ ثم نرجع إلى حديث أنس‏:‏
‏(‏ويأتيان الكافر والمنافق فيقولان‏:‏ ما كنت تقول
في هذا الرجل‏؟‏ فيقول‏:‏ لا أدري‏,‏ كنت أقول كما يقول الناس‏.‏ فيقول‏:‏
لا دريت ولا تليت‏.‏ ثم يضرب بمطارق من حديد بين أذنيه‏,‏ فيصيح صيحة
فيسمعها من عليها غير الثقلين‏
)‏‏.‏
وروى الترمذي وأبو حاتم في صحيحه ـ وأكثر اللفظ له ـ عن أبي هريرة ـ رضي
اللّه عنه ـ قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا قبر أحدكم الإنسان‏,‏ أتاه ملكان أسودان أزرقان‏,‏ يقال
لهما‏:‏ منكر والآخر نكير‏.‏ فيقولان له‏:‏ ما كنت تقول في هذا الرجل
محمد‏؟‏ فهو قائل ما كان يقول‏,‏ فإن كان مؤمنًا قال‏:‏ هو عبد اللّه
ورسوله‏,‏ أشهد أن لا إله إلا اللّه‏,‏ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله‏.‏
فيقولان‏:‏ إنا كنا لنعلم أنك تقول ذلك ‏.‏
ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا‏,‏ وينور له فيه‏,‏ ويقال له‏:‏ نم‏.‏
فيقول‏:‏ أرجع إلى أهلي فأخبرهم‏.‏ فيقولان له‏:‏ نم‏,‏ كنومة العروس الذي
لا يوقظه إلا أحب أهله إليه‏,‏ حتى يبعثه اللّه من مضجعه ذلك‏.‏ وإن كان
منافقًا قال‏:‏ لا أدري‏,‏ كنت أسمع الناس يقولون شيئًا فقلته‏.‏
فيقولان‏:‏ إنا كنا نعلم أنك تقول ذلك‏.‏ ثم يقال للأرض‏:‏ التئمي عليه‏,‏
فتلتئم عليه‏,‏ حتى تختلف فيها أضلاعه‏,‏ فلا يزال معذبًا حتى يبعثه
اللّه من مضجعه ذلك‏
)‏ وهذا الحديث فيه اختلاف أضلاعه وغير ذلك‏,‏
مما يبين أن البدن نفسه يعذب‏.‏
وعن أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا احتضر الميت أتته الملائكة بحريرة بيضاء‏.‏ فيقولون‏:‏
اخرجي كأطيب ريح المسك‏,‏ حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا‏,‏ حتى يأتوا به
باب السماء‏,‏ فيقولون‏:‏ ما أطيب هذا الريح متى جاءتكم من الأرض‏؟‏
فيأتون به أرواح المؤمنين‏,‏ فَلَهُمْ أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدم
عليه‏,‏ يسألونه‏:‏ ماذا فعل فلان‏؟‏ فيقولون‏:‏ دعوه‏,‏ فإنه في غم
الدنيا‏,‏ فإذا قال‏:‏ إنه أتاكم‏.‏ قالوا‏:‏ ذهب إلى أمه الهاوية‏.‏ وإن
الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح‏.‏ فيقولون‏:‏ اخرجي مسخوطًا
عليك إلى عذاب اللّه‏,‏ فتخرج كأنتن جيفة‏,‏ حتى يأتوا به أرواح
الكفار‏)‏‏.‏ رواه النسائي والبزار ورواه مسلم مختصرًا عن أبي هريرة ـ رضي
اللّه عنه‏.‏ وعند الكافر ونتن رائحة روحه‏,‏ فرد رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم رِيطَة كانت عليه على أنفه هكذا
‏).‏‏ [‏والرِّيطةُ‏:‏
ثوب رقيق لين مثل الملاءة‏] ‏‏.‏

ففي هذه الأحاديث ونحوها اجتماع الروح والبدن في نعيم القبر وعذابه‏,‏
وأما انفراد الروح وحدها فقد تقدم بعض ذلك‏.‏
وعن كعب بن مالك ـ رضي اللّه عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إنما نَسَمَة المؤمن طائر يَعْلُقُ في شجر الجنة حتى
يرجعه إلى جسده يوم يبعثه
‏)‏‏.‏ رواه النسائي‏,‏ ورواه مالك
والشافعي كلاهما‏ ]‏نسمة المؤمن‏:‏ أي روحه] ‏‏.
[‏وقوله‏:‏ ‏[‏يَعْلُق‏]‏ بالضم أي‏:‏ يأكل]‏‏,‏ وقد نقل هذا في غير هذا
الحديث‏.‏
فقد أخبرت هذه النصوص أن الروح تنعم مع البدن الذي في القبر ـ إذا شاء
اللّه ـ وإنما تنعم في الجنة وحدها‏,‏ وكلاهما حق‏.‏
وقد روى ابن أبي الدنيا في ‏[‏كتاب ذكر الموت‏] ‏عن مالك بن أنس قال‏:‏
بلغني أن الروح مرسلة‏,‏ تذهب حيث شاءت‏.‏ وهذا يوافق ما روي‏:‏ ‏(‏أن
الروح قد تكون على أفْنِيَة القبور‏)‏ ‏[‏أفْنِيَة‏:‏ جمع فناء‏,‏ وهو
المتسع أمام الدار]‏ كما قال مجاهد‏:‏ إن الأرواح تدوم على القبور سبعة
أيام‏,‏ يوم يدفن الميت‏,‏ لا تفارق ذلك‏,‏ وقد تعاد الروح إلى البدن في
غير وقت المسألة‏,‏ كما في الحديث الذي صححه ابن عبد البر عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من رجل يمر بقبر
الرجل الذي كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه‏,‏ إلا رد اللّه عليه روحه حتى
يرد عليه السلام‏
)‏‏.‏
وفي سنن أبي داود وغيره‏,‏ عن أوس بن أوس الثقفي‏,‏ عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن خير أيامكم يوم الجمعة‏,‏
فأكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة‏,‏ وليلة الجمعة‏,‏ فإن صلاتكم
معروضة عليَّ
‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول اللّه‏,‏ كيف تعرض صلاتنا عليك
وقد أرِمْتَ‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ ‏(‏إن اللّه حرم على
الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء‏
)‏‏ .‏
وهذا الباب فيه من الأحاديث والآثار ما يضيق هذا الوقت عن استقصائه‏,‏ مما
يبين أن الأبدان التي في القبور تنعم وتعذب ـ إذا شاء اللّه ذلك ـ كما
يشاء‏,‏ وأن الأرواح باقية بعد مفارقة البدن‏,‏ ومنعمة ومعذبة‏.‏
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام على الموتى‏,‏ كما ثبت في
الصحيح والسنن أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا‏:‏ ‏(‏السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين‏,‏ وإنا إن شاء
اللّه بكم لاحقون‏,‏ يرحم اللّه المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين‏,‏ نسأل
اللّه لنا ولكم العافية‏.‏ اللّهم لا تَحْرِمْنَا أجرهم ولا تَفْتِنا
بعدهم‏,‏ واغفر لنا ولهم‏
)‏‏ .‏
وقد انكشف لكثير من الناس ذلك حتى سمعوا صوت المعذبين في قبورهم‏,‏ ورأوهم
بعيونهم يعذبون في قبورهم في آثار كثيرة معروفة‏,‏ ولكن لا يجب ذلك أن
يكون دائمًا على البدن في كل وقت‏,‏ بل يجوز أن يكون في حال دون حال‏.‏
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ـ رضي اللّه عنه ـ أن النبي صلى الله عليه
وسلم ترك قتلى بدر ثلاثًا‏,‏ ثم أتاهم فقام عليهم فقال‏:‏ ‏(‏يا أبا جهل بن هشام‏,‏ يا أميَّة بن خَلف‏,‏ يا عُتْبَة بن
ربيعة‏,‏ يا شيبة بن ربيعة‏,‏ أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا‏؟‏ فإني
وجدت ما وعدني ربي حقًا‏
)‏‏.‏ فسمع عمر ـ رضي الله عنه ـ قول النبي
صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول اللّه‏,‏ كيف يسمعون وقد
جيَّفُوا‏؟‏ فقال‏: ‏‏(‏والذي نفسي بيده ما أنتم
بأسمع لما أقول منهم‏,‏ ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا
‏)‏‏.‏ ثم أمر
بهم فسحبوا فألقوا في قَلِيب بدر‏.‏
وقد أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر ـ رضي اللّه عنهما ـ أن النبي صلى الله
عليه وسلم وقف على قَلىب بدر فقال‏:‏ ‏(‏هل وجدتم ما
وعدكم ربكم حقًا‏؟
‏‏)‏‏,‏ وقال‏:‏ ‏(‏إنهم
ليسمعون الآن ما أقول
‏)‏‏,‏ فذكر ذلك لعائشة‏,‏ فقالت‏:‏ وَهِم َابن
عمر‏,‏ إنما قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنهم
ليعلمون الآن أن الذي قلتُ لهم هو الحق
‏)‏‏,‏ ثم قرأت قوله
تعالى‏:‏‏{‏إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى‏}‏
‏[‏النمل‏:‏80‏]‏ حتى قرأت الآية‏.‏


فهكذا الموتى الذين ضرب لهم المثل‏,‏ لا يجب أن ينفى عنهم جميعُ السماع
المعتاد أنواعَ السماع‏,‏ كما لم ينف ذلك عن الكفار‏,‏ بل قد انتفى عنهم
السماع المعتاد الذي ينتفعون به‏,‏ وأما سماع آخر فلا ينفى عنهم‏.‏
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الميت يسمع خَفْق نعالهم‏,‏ إذا ولوا
مدبرين‏,‏ فهذا موافق لهذا‏,‏ فكيف يدفع ذلك‏؟‏ ومن العلماء من قال‏:‏ إن
الميت في قبره لا يسمع ما دام ميتًا‏,‏ كما قالت عائشة‏,‏ واستدلت به من
القرآن‏.‏ وأما إذا أحياه اللّه فإنه يسمع كما قال قتادة‏:‏ أحياهم اللّه
له‏.‏ وإن كانت تلك الحياة لا يسمعون بها‏,‏ كما نحن لا نرى الملائكة
والجن‏,‏ ولا نعلم ما يحس به الميت في منامه‏,‏ وكما لا يعلم الإنسان ما
في قلب الآخر‏,‏ وإن كان قد يعلم ذلك من أطلعه اللّه عليه‏.‏
وهذه جملة يحصل بها مقصود السائل‏,‏ وإن كان لها من الشرح والتفصيل ما ليس
هذا موضعه‏,‏ فإن ما ذكرناه من الأدلة البينة على ما سأل عنه ما لا يكاد
مجموعًا‏,‏ واللّه أعلم‏.‏
وصلى اللّه على محمد وعلى آله وصحبه وسلم‏.

مجموع فتاوى ابن تيمية
رحمه الله


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
عداب القبر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
educ21 نـور الصباح :: قســــم روايط المجتمع :: الإسلام-
انتقل الى: