educ21 نـور الصباح
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى يشـرفنــــا تسجيــــلك و إن كنت عضوا معنا فقم بإدخال بيناتك.****شكرا****. تدكر قوله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18.


عـــــــــــــــــلِـــــــم و تعــــــــــــــــــلـــــــــم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 إستراتيجية الموقف السخري عند أبي نواس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mohamad 2010

avatar

ذكر عدد المساهمات : 557
تاريخ التسجيل : 20/08/2010
العمر : 23

مُساهمةموضوع: إستراتيجية الموقف السخري عند أبي نواس   السبت أكتوبر 02, 2010 11:41 am


إستراتيجية الموقف السخري عند أبي نواس
علي كرزازي

قللمن يبكي على رسم درس
واقفا،ما ضرّ لو كان جلس؟!
أبو نواس (الديوان، تحقيق الغزالي، ص 134)

تعود السخرية في معناها العام إلى العصور القديمة، أي منذ أنتنامى لدى الإنسان/المبدع، الإحساس بذاتيته، فتبين عيوب خصمه وصب عليها جام نقده،وهي غالبا ما تقترن بظاهرة الهزل والعبث لذلك حفلت الآداب القديمة بأنواع مختلفةمن السخرية،منها الكوميديا والهجاء الانتقادي (Satire).
وفي الثقافة العربية ترد لفظة السخرية في القرآن الكريم غيرما مرة، وهي غالبا ما تأتي في سياق استهزاء الكفار بالمقدسات الدينية سواء كانتمعجزات أو أنبياء أو مومنين. أما في لسان العرب فتأتي مرادفة للهزء والضحكوالاستخفاف(1).
ومن الشعرية الحديثة ننتخب التعريف التالي لهنري موريي (H.Morier) :
"السخرية هي تعبير ضمير مأخوذ بالنظام والعدل عن سخطهإزاء انقلاب وضع يخاله طبيعيا، عاديا، واضحا ومعقولا. وقوام هذا التعبير هو الضحكباستخفاف من مظهر الخلل أو الضعف هذا، عن طريق التنديد به وفضحه بطريقة انتقاميةترتكز بدورها على قلب دلالة الكلمات (Antiphrase) أو على وصف لوضعية متعارضة كلية مع الوضعية الواقعية (Anticatstase) وبذلك تتم إعادة الأمور إلى نصابها"(2).
تتلبس السخرية بالعديد من المفاهيم التي تقوم مقامها أحيانامثل الفكاهة (Humour)أو المحاكاة الساخرة (Paradie)، أو تلك التي تعين درجة من درجاتها مثل الضحك والابتسامة أو الفكاهةالسوداء، وهي كلها شكلت مركز جذب للعديد من الدراسات، بحيث تمت مقاربتها من وجهاتنظر متعددة: فلسفية، بلاغية، لسانية وتداولية وتأويلية.
وسنعمل من جانبنا ضمن هذه الدراسة على الإفادة من بعض وجهاتالنظر هاته في تناولنا لبنية السخرية وأبعادها داخل المتن الشعري لأبي نواس، ونحبأن نصرح مبدئيا، أن السخرية لدى أبي نواس(3)، لا تقف عند حدود كونهاصورة بلاغية أو تنميقا أسلوبيا، وإنما هي في الحقيقة عكس لموقف الشاعر من مجتمعه،ذلك الموقف الذي وصل فيه الشاعر جمالية الشعر بمغامرة الفكر، مما جعل السخرية عندأبي نواس "تصبح مفهوما للعالم ونظرة، كأنما أراد لها أن تحل محل الفلسفةوالأخلاق"(4).
شكل كل من النموذجين: القيمي و الفني، نهبا مشتركا لسخريةأبي نواس، ونفضل في هذا الصدد التركيز على النموذج الثاني، لكونه أكثر اتصالابشعريته، فضلا عن كونه خلافيا ومثيرا للكثير من الجدل.
كان ضربة لازب لكل دارسي أبي نواس، أن يقفوا عند مسألةالوقوف على الأطلال في شعره، لذلك كنا نجد كثيرا من التفسيرات والاجتهادات التيحاولت انطلاقا من هذه المسألة أن تنجز قراءتها لشعرية أبي نواس، وضمن هذا الإطارنستحضر بعض هذه التفسيرات، حتى يمكننا اختبارها وفحص أسسها على اعتبار أن أبا نواساشتهر بسخريته من الوقوف على الأطلال.
يرى محمد مندور في كتابه النقد المنهجي عند العرب أن سخريةأبي نواس من البكاء على الأطلال، لم تكن دعوة إلى التجديد، وإنما هي في الواقعمحازاة للقديم والمحازاة أخطر من التقليد، لأن أبا نواس في رأيه حافظ على الهياكلالقديمة للقصيدة العربية مستبدلا ديباجة بأخرى(5).
وسيرا في نفس الاتجاه يجد الدكتور عبد القادر القط تفسيراأخلاقيا لسخرية أبي نواس من وصف الأطلال، مؤداه أن هذه السخرية، لم تكن تعبيرا عنتجديد فني خالص، أو ثروة على القيم الشعرية القديمة. بل هي لا تعدو أن تكون"سلوكا ذا دلالة حضارية ونفسية خاصة، لذلك لا يقابله بالدعوة إلى مذهب فني،بل إلى سلوك آخر يناقضه، فإذا كان الشقي قد عاج يسائل الرسم، فإن الشاعر قد عاجليسأل عن خمارة البلد، وهو لا يريد أن يبكي ليلى أو يطرب إلى هند، بل يقدم بديلا منذلك دعوة إلى الشراب. وهكذا نراه يكرر بعد كل دعوة إلى نبذ الوقوف بالأطلال أمرابسلوك خلقي لا اتجاه فني، فيقول "واشرب على الورد من حمراء كالورد، واشرب منالخمر أنت أصفاها، واله بابنة العنب" أو تعبيرا عن رغبة وشعور نفسي كما فيقوله "لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة ولكن سبتني البابلية، أحسن من ذلك بنتصافية". ويطرد هذا الصنيع في أغلب تلك المطالع الساخرة، ومعنى ذلك أن الشاعريتخذ من الوقوف على الأطلال رمزا لسلوك خاص يمثل التزمت والتخلف عن مسايرة العصرالذي يعيش فيه"(6).
هكذا نستنتج أن الناقدين يهونان من شأن سخرية أبي نواس منالوقوف على الأطلال، وينكران بالتالي كل دلالة لها على تحول فني ما. والطريف أنهمايصدران في حكمهما هذا عن رؤية معيارية واحدة، فالأول بعد أن عدد أسباب إخفاقمحاولة أبي نواس التجديدية، خلص إلى القول: "ومن ثم عدم قيام خصومة قوية حولهذا المذهب، على نحو ما قامت حول مذهب أبي تمام"(7). والثانييقول: "[…] فلم يحس معاصروه بأنه قد خرج على مقومات الشعر المعروفة، أو أتىببدع ينكره المتعصبون للقديم، لذلك لم تثر حوله خصومة بين القديم والجديد، ومع أنكثيرا من النقاد قد عدوه فيما بعد رائدا من رواد مذهب أبي تمام، فإنهم قد قصروادوره على ما في شعره من مجازات وتشبيهات؟(8).
لن ننشيغل بالسؤال: هل جدد أبو نواس أم لا؟ ولكن ما يهمناأكثر هو السؤال التالي: هل سخر أبو نواس من الوقوف على الأطلال لمجرد السخرية، أمأن سخريته هاته تمت في إطار رؤية معينة للشعر تحدد مادته، بنيته ووظيفته؟؟
قبل أن نجيب عن هذا السؤال نحب أن نقدم إضاءة بشأن اعتراضغالبا ما يثار عند مناقشة سخرية أبي نواس من الوقوف على الأطلال، وهذا الاعتراضيتقدم كالتالي: إذا كان أبو نواس قد سخر من الطلل، فقد احتفى به في كثير من شعرهخاصة في مدحياته وبعض خمرياته!!
لا نشك في أن التزام أبي نواس للمقدمة الطللية في قصائدهالمدحية، راجع بالأساس إلى إكراهات المؤسسة النقدية التي تعضدها سلطة الممدوح، ولاأدل على ذلك من هذا التصريح الذي لا مواربة فيه(9):
أعر شعرك الأطلال والدِّمن القفــرا فقد طال ما أزرى به نعتكالخمرا
دعاني إلى وصف الطّلول مسلّـــــط تضيق ذراعي أن أجوِّز لهأمــــرا
فسمع أمير المؤمنينا وطاعــــــــــة وإن كنت قد جشّمتنيمركبا وعرا
أما بخصوص إيراد المقدمة الطللية ضمن نسيج القصيدة الخمرية،فالراجح أن الأمر لم يكن يتعلق بالطلل السائد، وإنما هو طلل آخر استوحاه أبو نواسمن واقع تجربته الذاتية وهمومه الروحية والفكرية الخاصة، وفي هذا الصدد نحيل علىقراءة عبد المعطي حجازي الرائعة(10) لقصيدة أبي نواس (ذهب منسكب):
عفا المصلى وأقوت الكثــــــب مني فالمربــدانفاللبـــــــــب
فهي تنقع الغلة وتدلل على هذه النتيجة، ونفس الشيء ينسحبكذلك على قصيدته السينية المشهورة (أطلال حانة) حيث وقف فيها على أطلال حانةمهجورة:
ودار ندامى عطلوها وأدلجـــــــــوا بها أثر منهم جديــــدودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرى وأضغاث ريحان جني ويابــس
حبست بها صحبي فجددت عهدهم وإني على أمثال تلك حابس(11)
إن الطلل هنا، وضمن السياق العام للقصيدة يمثل طرفا في جدليةالحياة والموت بكل قسوتها ورهبتها… لقد خلت الدار وصارت أطلالا دارسة لم يبق فيهامن الندامى الذين هجروها سوى آثار من جر الزقاق على الثرى وبقايا ريحان.
فرادة أبي نواس إذن تتمثل في تطويعه لتقليد فني سائدواستلهامه في بناء شكل جديد يتساوق وتجربته الحياتية والإبداعية، والأكيد أن هذاالطلل "الجديد" ليس هو الطلل الذي ما فتئ أبو نواس يسخر من الواقفينعليه:
-قل لمن يبكي على رسم درس واقفا ما ضرّ لو كان جلـــس؟
اترك الربع وسلمى جانــــــبا واصطبح كرخيّة مثل القبـس(12)
-صفة الطّلول بلاغة القـــــدم فاجعل صفاتك لابنة الكــرم
(…)
تصف الطّلول على السّماع بما أفذو العيّان كأنت في العلـــم
وإذا وصفت الشيء متبعـــــــا لم تخل من زلل ومن وهــــم(13)
-صاحٍ…مالي وللرّسوم القفــــار ولنعت المطيِّوالأكـــــــــوار
شغلني المدام والقصف عنهــــا وصراع الطّنبوروالأوتـــــــار(14)
إن البكاء على الرسم وصفة الطلل ونعت الأكوار والمطي من صميممكونات المقدمة الطللية كما أصّلها الشعراء الجاهليون، وأبو نواس لا يهاجم الطلل فيحد ذاته، وإنما يهاجم موقفا معينا، وشاعرا معينا، بل اتجاها شعريا معينا تعيّنهبلاغة الفدم. ولا ينبغي أن ننخدع بقول أبي نواس: قل لمن يبكي على رسم درس، واقفاما ضر لو كان جلس؟ ونقول: لو كان الباكي جلس لما قال له أبو نواس ما قال. ولكنالوقوف هنا ليس حالة فيزيائية. وإنما هو رمز لنمط معين من الشعر، يعيد إنتاجالقديم ويكرس سلطة السماع والأتباع، ومن ثم فهو لا يلقي بالا للمعاناة والمعاينة:"إن الشاعر "الفدم" هو الذي ينظم ما لم يعانه، أما الشاعر المحدثفهو الذي يفترع القصيدة من معطيات عالمه هو، فلا تشتبه قصيدته علىسامعها"(15).
وبعد، فإن من يجشم نفسه عناء "الوقوف" في الوقتالذي هو في مستطاعه أن يجلس، هو من يرثي أبو نواس لحاله في سخرية مرة، يقول مخاطباإياه دائما:
أيا باكي الأطلال غيرها البلــى بكيت بعين لا يجف لها غرب
أتنعت دارا قد عفت وتغـيــرت فإني لما سالمت من نعيها حرب(16)
ويمعن في الهزء وتقريعه هذا التقريع اللاذع:
انس رسم الديار ثم الطلــــــولا واهجر الربع دارسا ومحيـلا
هل رأيت الديار ردت جوابــا وأجابت لذي سؤال ســؤولا(17)
ههنا يتلازم الوقوف مع العفاء والخرس ليصبح عجزا عن مسايرةما استجد في الزمان والمكان. ومع ذلك سيكون من المبالغ فيه أن نخلص مما سبق إلى ماخلصت إليه أحلام الزعيم إذ تقول: "هكذا كان أبو نواس يتعرض إلى مقدس العربالفني… وهكذا كان يعلن رفضه لقيمهم الفنية مؤكدا اختياره لطريقته الجديدة وفنهالجديد، طارحا بديله عن هذا الموروث[…]"(18). وذلك لأن أبا نواس بكل بساطة لميرفض القيم الفنية العربية كقيم في حد ذاتها، وإنما رفض، من خلال سخريته، إعادةإنتاجها واستنساخها في الحاضر، آخذا بعين الاعتبار زمن القول، وواصلا تجربتهالإبداعية بتجربته الشخصية في الحياة. يصبح الحاضر مع أبي نواس سيد الأزمنة كلها،به واجه الماضي قيميا وفنيا، إنه زمن التوهج والنبض الحي، زمن الحياة الممهورةبإيقاع اللذة وعنفوان المتعة. لا يريد الشاعر من وجوده سوى اللحظة الراهنة. لذلكفهو يسعى لتأمينها ونفي كل ما من شأنه أن يهدمها بذا وحده نفهم سر ثورته ورفضهللتقاليد: إنه يطلب من عذاله الإقلاع عن لومه الآن، كما يطلب من الشاعر المعاصر لهأن ينبذ الطلل الآن، لذلك وجدناه يزجي دائما بفعل أمر يفيد الآنية والامتداد:"فاجعل صافتك لابنة الكرم" و "اصطبح كرخية مثل القبس".[…]
لعل كثيرا من جوانب شعرية أبي نواس لا يمكن فهمها الفهمالصحيح ما لم ننتبه إلى هذه الوشيجة العميقة، وهذا الاندماج الوثيق بين أعمالالشاعر وتجربته في الحياة، وأبلغ ما يجلو هذا المعطى قصائده الخمرية، التي كانتخير معبر عن هواجس الذات وملامح المرحلة، وربما يكون طه حسين أول من فطن إلىالمطابقة بين الشعر والحياة عند أبي نواس، يقول:
"من الحق أن نعرف لأبي نواس شيئا غير هذا الفسقوالإغراق في المجون، وهو أنه كان يريد أن يتخذ ويتخذ الناس معه - في الشعر مذهباجديدا وهو التوفيق بين الشعر والحياة الحاضرة، بحيث يكون الشعر مرآة صافية تتمثلفيها الحياة، ومعنى ذلك العدول عن طريقة القدماء وما ألفوا، أراد أبو نواس أن يشرعللناس من هذا المذهب فجدد فيه ووفق التوفيق كله، واتخذ وصف الخمر وما إليها مناللذات وسيلة إلى مدح طريقته الحديثة وذم طريقة القدماء"(19).
إذا كنا قد نتفق مع طه حسين في هذا التحليل قليلا أو كثيرا،فإننا لا نذهب معه إلى مداه حيث يقول:
"على أن هذا المذهب الجديد على حسنه واستقامته، وعلى أنأبا نواس موفق فيه، لم يسلم من أشياء تمكننا من أن نفهم بغض الناس له ونعتهم عليه،فهو ليس مذهبا شعريا فحسب، وإنما هو مذهب سياسي أيضا"(20).
إن تعامل أبي نواس مع السخرية كفعل لغوي(21)،حمال لموقف فكري لم يفض به قط إلى إلغاء الموروث الفني كلية، بل إنه نزع عن الطلل-كمكون أساسي من مكونات هذا الموروث- قداسته، وخلعها على الخمرة مثلما فعلبالمقدسات الدينية في أغلب قصائده:
عاج الشقي على طلل يسائله وعجت أسأل عن خمارة البلد
بنية التقابل في هذا البيت الأول تقوم على التضاد التالي:
الشاعر ¹ الشقي، الخمارة ¹ الطلل، عجت ¹ عاج، الحاضر ¹الماضي.
ويستطرد الشاعر قائلا في نفس القصيدة قائلا:
دع ذا عدمتك، واشربها معتقة
صفراء تعنق بين الماء والزبد
إن الألفاظ التي تدل على السخرية هي "الشقي"، فيعرف الشاعر هو من يبكي الديار، ثم هناك صيغة "دع ذا" وهي عبارة كانالجاهليون يتخلصون بها للدخول في المدح، واستعمال الشاعر لها لا يفسره سوى الرفعمن نغمة السخرية من الشقي/المتبع. أما "عدمتك" فصيغة دعائية، يتمنى منخلالها الشاعر الفقد لهذا الشقي.
يمكن القول إن سخرية أبي نواس جسدت حالة حساسية جديدة، لا يدركفيها التعارض بين الماضي والحاضر كتعارض زمني، وإنما كتعارض إبداعي فكري يعكس رؤيةجمالية مخصوصة لها موقفها الخاص من مشكلات الحاضر، هذا الحاضر الذي أراده الشاعرركحا وأفقا لعلاقة الذات بالآخر، والناظر في شعر أبي نواس يقف في أكثر من مناسبةعلى إفادة النواسي في تشكيل معمارية شعرية وإغناء نسق إدراكه من كل أشكال الفكرالمعاصر له، عربيا كان أو غير عربي، خاصة على مستوى اللغة، المعجم والصور.
إن الموروث الثقافي كان بالنسبة لأبي نواس -في جزء غير يسيرمنه- ذلك الركام من الأجوبة التي أضحت تعاليم ومسلمات تتعلق بمشكلات لا يطرحهاعالمه الراهن، لذلك لم يرد قطعا أن يكون شعره جوابا على أسئلة لا يجترحها حاضره،ومن هنا انبثق الشك في نفسه، ووضع تلك المسلمات موضع السؤال فكانت السخرية وكانتتجربة إبداعية جديدة مرتكزها المحو والإثبات: تمتاح من القديم ما يتجاوب وإدراكالشاعر المحدث، وفي نفس الوقت تتجاوز هذا القديم لتنفتح على منجزات العصر.
هكذا يتضح أن سخرية أبي نواس لم تكن مجرد دعوة لاستبدالديباجة بأخرى كما اعتقد منذور، ولا دعوة لإحلال سلوك خلقي جديد محل آخر قديم كماذهب إلى ذلك القط، وإنما كانت بالأساس قرينة تحول فني مس بنية الشعر ووظيفته فيالمجتمع، وخلق بالتالي صدمة لدى جمهور واسع من المتلقين(22).
على أن ناقدا ألمعيا كالجاحظ كان أوفق في إدراك حس المغايرةالذي مثلته شعرية أبي نواس، فهو (أي الجاحظ) يبني أحكامه على أساس عقلي مستمد منالفكر الاعتزالي، ومن ثم ينعي على النقاد التقليديين احتكامهم إلى معيار الزمن فيتقييم الجودة. لذلك حينما انتصر لشعر أبي نواس استند إلى خصيصة داخل نصية عمادهاجودة السبك وإتقان الصنعة، وهي ما يسميه بـ "الصياغة"(23).وينضاف إلى الصياغة بعد "التصوير"(24). ولا نستبعد أن يكونالجاحظ قد استمد صياغته النقدية لمفهوم الشعر من خلال قراءته لأبي نواس خاصةسينيته التي أشاد بها كثيرا، يقول:
"ما أعرف لأبي نواس شعرا يفضل هذه القصيدة:
ودار ندامى عطلوها وأدلجــــوا بها أثر منهم جديـــدودارس(…)
تدار علينا الكأس في عسجديـة حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتهــــا مما تدريها بالقسي الفــوارس
فللخمر ما زرت عليه جيوبهــا وللماء مادارت عليه القلانـس(24)
ومن شدة إعجابه بالصورة الحضارية الجميلة المتضمنة في هذهالقصيدة, مضى ينشدها على أصدقائه، ومن بينهم أبو شعيب القلال، وكان عالما شاعرافلم يملك إلا أن يقول: يا أبا عثمان، هذا شعر لو نقر عليه لطنّ!(25)
لقد توخينا من وراء تقديم قراءة الجاحظ لشعرية أبي نواس،التدليل على أن سخرية أبي نواس من الأطلال، والتي كانت من مياسم القصيدة الخمرية،بل إحدى مكوناتها البنيوية، لم تخل من أبعاد ونتائج لا يمكن أن نتغافل عنها أونتجاهلها، إنها سخرية تطرح البديل، وهذا البديل يتمثل في مثل هذه القصيدة-الصورة،وغيرها من القصائد التي عكست طرائق جديدة في الإبداع خلخلت أطر القصيدة السائدة،مما أشّر لتحول في مفهوم الشعر ووظيفته، هذا التحول كان خلفه تفاعل عميق معمكتسبات الحياة الجديدة وما اشتملت عليه من ألوان ثقافية كالرسم والتصوير وفن الخطوغيرها من الفنون التي اكتسحت فضاءات المجال الحضاري العربي الإسلامي مثلما اكتسحتفضاءات القصيدة النواسية.

هوامش
1 - ابن منظور، لسان العرب، مادة سخر، المجلد السادس، دارصادر/ دار الفكر، بيروت، ب.ت.
2 - HenriMorier, Ironie, in dictionnaire depoétique etde rhétonique, 3ème édition,P.U.F, Paris 1981, p. 597.
3 - لسنا بحاجة إلى التدليل على طبع أبي نواس الساخر، بحيثأن أخباره ونوادره تعكس هذا المعطى بجلاء.
4 - أدونيس، مقدمة للشعر العربي، الطبعة الثالثة، دارالعودة، بيروت 1979، ص 40
5 - محمد منذور، النقد المنهجي عند العرب، مكتبة النهضةالمصرية، 1948، ص 59.
6 - عبد القادر القط، حركات التجديد في الشعر العباسي ضمنكتاب، إلى طه حسين في عيد ميلاده السبعين، إشراف عبد الرحمن بدوي، دار المعارف، مص1962، ص 416-417.
7 - محمد منذور، المرجع السابق، ص 59
8 - عبد القادر القط، المرجع السابق، ص 418-419.
9 - ديوان أبي نواس، تحقيق عبد المجيد الغزالي، دار الكتابالعربي، بيروت 1992، ص 21.
10 - أحمد عبد المعطي حجازي، محاولة في قراءة أبي نواس:الزمن والخمرة، مجلة آداب، عدد 1 و2، 1977 السنة 25، ص 65
11 -12-13-14- الديوان، ص 37 و134 و57-58 و676.
15 - جابر عصفور، قراءة في التراث النقدي، الطبعة الأولى،دار سعاد الصباح، الكويت/القاهرة 1992، ص 149
16 - 17 - الديوان ، ص 10 و673
18 - أحلام الزعيم، أبو نواس بين العبث والاغتراب والتمرد،الطبعة الأولى، دار العودة، بيروت 1981، ص 127.
19 - 20 - طه حسين، من تاريخ الأدب العربي، العصر العباسيالأول، دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة، بيروت 1979، ص 191، نزعم أن أبا نواسلم تكن له اهتمامات سياسية، وحتى التاريخ لا يسعفنا في أخذ فكرة عن أبي نواسالسياسي اللهم ما كان من الخصومة السياسية بين الأمين والمأمون، وكيف استغل هذاالأخير علاقة أخيه الأمين بأبي نواس ليشهر به.
21 - نجد السخرية باعتبارها فعلا لغويا لدى فيليب هامون PhilippeHamon في :
Ironie, inSémiotiquedictionnaire raisonné de la théorie du langage, Tome2, éditionHachette, Paris 1986, p.125.
22 - من النماذج الشهيرة لهؤلاء المتلقين نذكر تمثلا لا حصراابن شرف القيرواني، انظر، رسائل الانتقاد ضمن كتاب، رسائل البلغاء، اختيار وتصنيف:محمد علي مرد، مطبعة لجنة التأليف والترجمة، مصر 1946، ص 319.
23 - الجاحظ، البيان والتبيين، الجزء الثاني، تحقيق: عبدالسلام هارون، مكتبة الخانجي مصر 1940، ص 27.
24 - الجاحظ، الحيوان، الجزء الثالث، تحقيق: عبد السلامهارون، مكتبة الخانجي مصر 1940، ص 13225 - 26 - ابن منظور، مختار الأغاني، الجزء الثالث، تحقيقعبد العليم الطحاوي، الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1966، ص26-27.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
إستراتيجية الموقف السخري عند أبي نواس
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
educ21 نـور الصباح :: قســــم روايط المجتمع :: العربية-
انتقل الى: